فصل: تفسير الآية رقم (31):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (25-28):

{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} الظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا بُعِثَ وَتَحَقَّقُوا أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الْمَوْصُوفُ فِي كُتُبِهِمْ كَفَرُوا بِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَارْتِدَادُهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ هُوَ كُفْرُهُمْ بِهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوهُ وَتَيَقَّنُوهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْهُدَى الَّذِي تَبَيَّنَ لَهُمْ هُوَ صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْعَلَامَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي كُتُبِهِمْ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهَذِهِ الْآيَةُ يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [2/ 89]؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا مُبَيِّنٌ مَعْنَى قَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، وَقَوْلُهُ: كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ مُبَيِّنٌ مَعْنَى قَوْلِهِ: ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: نَزَلَتِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمُنَافِقِينَ.
وَقَدْ بَيَّنَ- جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ سَبَبَ ارْتِدَادِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، هُوَ إِغْوَاءُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُشِيرًا إِلَى عِلَّةِ ذَلِكَ: الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ أَيْ زَيَّنَ لَهُمُ الْكُفْرَ وَالِارْتِدَادَ عَنِ الدِّينِ، وَأَمْلَى لَهُمْ أَيْ مَدَّ لَهُمْ فِي الْأَمَلِ وَوَعَدَهُمْ طُولَ الْعُمُرِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَوَّلَ سَهَّلَ لَهُمْ رُكُوبَ الْعَظَائِمِ مِنَ السَّوْلِ، وَهُوَ الِاسْتِرْخَاءُ، وَقَدِ اشْتَقَّهُ مِنَ السُّؤْلِ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالتَّصْرِيفِ وَالِاشْتِقَاقِ جَمِيعًا، وَأَمْلَى لَهُمْ وَمَدَّ لَهُمْ فِي الْآمَالِ وَالْأَمَانِي. انْتَهَى.
وَإِيضَاحُ هَذَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى وَقَعَ لَهُمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ الشَّيْطَانَ سَوَّلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَيْ سَهَّلَهُ لَهُمْ وَزَيَّنَهُ لَهُمْ وَحَسَّنَهُ لَهُمْ وَمَنَّاهُمْ بِطُولِ الْأَعْمَارِ؛ لِأَنَّ طُولَ الْأَمَلِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ارْتِكَابِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي.
وَفِي هَذَا الْحَرْفِ قِرَاءَتَانِ سَبْعِيَّتَانِ: قَرَأَهُ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ أَبِي عَمْرٍو وَأَمْلَى لَهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى الشَّيْطَانِ.
وَأَصْلُ الْإِمْلَاءِ الْإِمْهَالُ وَالْمَدُّ فِي الْأَجَلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [7/ 183]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [3/ 178].
وَمَعْنَى إِمْلَاءِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ وَعْدُهُ إِيَّاهُمْ بِطُولِ الْأَعْمَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [4/ 120].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [17/ 64].
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: وَأَمْلَى لَهُمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْمَعْنَى: الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ أَيْ سَهَّلَ لَهُمُ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ، وَزَيَّنَ ذَلِكَ وَحَسَّنَهُ لَهُمْ، وَاللَّهُ- جَلَّ وَعَلَا- أَمْلَى لَهُمْ: أَيْ أَمْهَلَهُمْ إِمْهَالَ اسْتِدْرَاجٍ.
وَكَوْنُ التَّسْوِيلِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالْإِمْهَالِ مِنَ اللَّهِ، قَدْ تَشْهَدُ لَهُمْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [8/ 48]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [16/ 63]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} [14/ 22]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي إِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُمُ اسْتِدْرَاجًا: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [68/ 44]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [3/ 178]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [19/ 75]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [6/ 44]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [7/ 95]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [23/ 55- 56]، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ مِنَ السَّبْعَةِ: {وَأُمْلِيَ لَهُمْ} بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ، بَعْدَهَا يَاءٌ مَفْتُوحَةٌ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلِ الْمَحْذُوفِ، فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ آنِفًا فِي فَاعِلِ: وَأَمْلَى لَهُمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَرِيبًا مَا يَشْهَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي إِمْلَاءِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [4/ 120]، وَقَوْلِهِ فِي إِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُمْ: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [68/ 45]، كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ رَاجِعَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}.

أَيْ ذَلِكَ التَّسْوِيلُ وَالْإِمْلَاءُ الْمُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ: قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَمْرِ الَّذِي قَالُوا لَهُمْ سَنُطِيعُكُمْ فِيهِ مِمَّا نَزَّلَ اللَّهُ وَكَرِهَهُ أُولَئِكَ الْمُطَاعُونَ.
وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَطَاعَ مَنْ كَرِهَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ فِي مُعَاوَنَتِهِ لَهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَاطِلِ، أَنَّهُ كَافِرٌ بِاللَّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَنْ كَانَ كَذَلِكَ: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [47/ 27- 28].
وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الشُّورَى فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [42/ 10]، وَفِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ.
وَبَيَّنَّا فِي سُورَةِ الشُّورَى أَيْضًا شِدَّةَ كَرَاهَةِ الْكُفَّارِ لِمَا نَزَّلَ اللَّهُ، وَبَيَّنَّا ذَلِكَ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [42/ 13]، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَشُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ: {أَسْرَارَهُمْ} بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، جَمْعُ سِرٍّ.
وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ إِسْرَارَهُمْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرُ أَسَرَّ كَقَوْلِهِ: {وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [71/ 9]، وَقَدْ قَالُوا لَهُمْ ذَلِكَ سِرًّا فَأَفْشَاهُ اللَّهُ الْعَالِمُ بِكُلِّ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ أَيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ هَؤُلَاءِ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ؟ أَيْ قَبَضَ مَلَكُ الْمَوْتِ وَأَعْوَانُهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ ضَارِبِينَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ يَتَوَفَّوْنَ الْكُفَّارَ وَهُمْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْأَنْفَالِ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [8/ 50]، وَقَوْلِهِ فِي الْأَنْعَامِ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [6/ 93].
فَقَوْلُهُ: بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَيْ بِالضَّرْبِ الْمَذْكُورِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَصْدَرِ الْكَامِنِ فِي الْفِعْلِ الصِّنَاعِيِّ أَعْنِي قَوْلَهُ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ، أَيْ ذَلِكَ بِضَرْبِ وَقْتِ الْمَوْتِ وَاقِعٌ بِسَبَبٍ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ أَيْ أَغْضَبَهُ مِنَ الْكُفْرِ بِهِ، وَطَاعَةِ الْكُفَّارِ الْكَارِهِينَ لِمَا نَزَّلَهُ.
وَالْإِسْخَاطُ اسْتِجْلَابُ السُّخْطِ، وَهُوَ الْغَضَبُ هُنَا.
وَقَوْلُهُ: {وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} لِأَنَّ مَنْ أَطَاعَ مَنْ كَرِهَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ فَقَدْ كَرِهَ رِضْوَانَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ رِضْوَانَهُ تَعَالَى لَيْسَ إِلَّا فِي الْعَمَلِ بِمَا نَزَّلَ، فَاسْتَلْزَمَتْ كَرَاهَةُ مَا نَزَّلَ كَرَاهَةَ رِضْوَانِهِ لِأَنَّ رِضْوَانَهُ فِيمَا نَزَّلَ، وَمَنْ أَطَاعَ كَارِهَهُ، فَهُوَ كَكَارِهِهِ.
وَقَوْلُهُ: {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} أَيْ أَبْطَلَهَا، لِأَنَّ الْكُفْرَ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْمَقَامَ فِي ذَلِكَ إِيضَاحًا تَامًّا فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [17/ 19].
وَفِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [16/ 97].
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، وَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ أَوِ الْيَهُودَ قَالُوا لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، وَهُوَ عَدَاوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّعْوِيقُ عَنِ الْجِهَادِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ هُمُ الْيَهُودُ حِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَفُوهُ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهَا، وَأَنَّ كُلَّ مَا فِيهَا مِنَ الْوَعِيدِ عَامٌّ لِمَنِ أَطَاعَ مَنْ كَرِهَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ.
مَسْأَلَةٌ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ، يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَأَمُّلُ هَذِهِ الْآيَاتِ، مِنْ سُورَةِ مُحَمَّدٍ وَتَدَبُّرِهَا، وَالْحَذَرُ التَّامُّ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ دَاخِلُونَ بِلَا شَكٍّ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
لِأَنَّ عَامَّةَ الْكُفَّارِ مِنْ شَرْقِيِّينَ وَغَرْبِيِّينَ كَارِهُونَ لِمَا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ وَمَا يُبَيِّنُهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السُّنَنِ.
فَكُلُّ مَنْ قَالَ لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْكَارِهِينَ لِمَا نَزَّلَهُ اللَّهُ: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي وَعِيدِ الْآيَةِ.
وَأَحْرَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ يَقُولُ لَهُمْ: سَنُطِيعُكُمْ فِي الْأَمْرِ كَالَّذِينِ يَتَّبِعُونَ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ مُطِيعِينَ بِذَلِكَ لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِمَّنْ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ.
وَأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ، وَأَنَّهُ مُحْبِطٌ أَعْمَالَهُمْ.
فَاحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الَّذِينَ قَالُوا: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ.

.تفسير الآية رقم (31):

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: {لِنَبْلُوَنَّكُمْ} مُوطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ.
وَقَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ بِالنُّونِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعَظَمَةِ فِي الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي لَنَبْلُوَنَّكُمْ، وَنَعْلَمَ، وَنَبْلُوَ.
وَقَرَأَهُ شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ.
وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ يَعُودُ إِلَى اللَّهِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ- جَلَّ وَعَلَا- يَبْلُو النَّاسَ أَيْ يَخْتَبِرُهُمْ بِالتَّكَالِيفِ، كَبَذْلِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ فِي الْجِهَادِ لِيَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ صَادِقُهُمْ مِنْ كَاذِبِهِمْ، وَمُؤْمِنُهُمْ مِنْ كَافِرِهِمْ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [2/ 214].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [3/ 142].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [3/ 142].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [9/ 16].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [29/ 1- 3].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ} [3/ 179].
وَقَدْ قَدَّمْنَا إِزَالَةَ الْإِشْكَالِ فِي نَحْوِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [2/ 143].
فَقُلْنَا فِي ذَلِكَ مَا نَصُّهُ: ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَدْ يَتَوَهَّمُ مِنْهُ الْجَاهِلُ أَنَّهُ تَعَالَى يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبَارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ هُوَ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ مَا سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ.
وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبَارِ عِلْمًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ بِقَوْلِهِ- جَلَّ وَعَلَا: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [3/ 154].
فَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ بَعْدَ قَوْلِهِ: {لِيَبْتَلِيَ}- دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَفِدْ بِالِاخْتِبَارِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ لِأَنَّ الْعَلِيمَ بِذَاتِ الصُّدُورِ غَنِيٌّ عَنِ الِاخْتِبَارِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانٌ عَظِيمٌ لِجَمِيعِ الْآيَاتِ الَّتِي يَذْكُرُ اللَّهُ فِيهَا اخْتِبَارَهُ لِخَلْقِهِ.
وَمَعْنَى إِلَّا لِنَعْلَمَ أَيْ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَفَائِدَةُ الِاخْتِبَارِ ظُهُورُ الْأَمْرِ لِلنَّاسِ، أَمَّا عَالِمُ السِّرِّ وَالنَّجْوَى، فَهُوَ عَالَمٌ بِكُلِّ مَا سَيَكُونُ، كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ بِهِ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ لَا بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ عَلَيْهِمْ، فَتَأْوِيلُهُ: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ عِلْمَ شَهَادَةٍ، لِأَنَّهُمْ إِذَا أُمِرُوا بِالْعَمَلِ يَشْهَدُ مِنْهُمْ مَا عَمِلُوا فَالْجَزَاءُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَقَعُ عَلَى عِلْمِ الشَّهَادَةِ، وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ نَخْتَبِرُهَا وَنُظْهِرُهَا انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَا نَصُّهُ:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالْقَتْلِ وَجِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ، يَقُولُ: حَتَّى يَعْلَمَ حِزْبِي وَأَوْلِيَائِي أَهْلَ الْجِهَادِ فِي اللَّهِ مِنْكُمْ وَأَهْلَ الصَّبْرِ عَلَى قِتَالِ أَعْدَائِهِ فَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَهُمْ وَيُعْرَفُ ذَوُو الْبَصَائِرِ مِنْكُمْ فِي دِينِهِ مِنْ ذَوِي الشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ فِيهِ، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ، وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ فَنَعْرِفَ الصَّادِقَ مِنْكُمْ مِنَ الْكَاذِبِ انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ الْآيَةَ: حَتَّى يَعْلَمَ حِزْبُنَا وَأَوْلِيَاؤُنَا الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ- لَهُ وَجْهٌ، وَقَدْ يُرْشِدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} أَيْ نُظْهِرَهَا وَنُبْرِزَهَا لِلنَّاسِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [3/ 179]؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَيْزِ الْخَبِيثِ مِنَ الطِّيبِ ظُهُورُ ذَلِكَ لِلنَّاسِ.
وَلِذَا قَالَ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [3/ 179]، فَتَعْلَمُوا مَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَرَّفَكُمْ بِذَلِكَ بِالِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ الَّذِي تَظْهَرُ بِسَبَبِهِ طَوَايَا النَّاسِ مِنْ خُبْثٍ وَطِيبٍ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَجِيهٌ أَيْضًا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.تفسير الآية رقم (32):

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} الظَّاهِرُ أَنَّ: {صَدُّوا} فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُتَعَدِّيَةٌ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ كَفَرُوا وَصَدُّوا غَيْرَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُمْ ضَالُّونَ مُضِلُّونَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ} [16/ 97] أَنَّ التَّأْسِيسَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّوْكِيدِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ.
وَ: {صَدُّوا} هُنَا إِنْ قُدِّرَتْ لَازِمَةً فَمَعْنَى الصُّدُودِ الْكُفْرُ، فَتَكُونُ كَالتَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ: كَفَرُوا.
وَإِنْ قُدِّرَتْ مُتَعَدِّيَةً كَانَ ذَلِكَ تَأْسِيسًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: كَفَرُوا يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: {وَصَدُّوا} عَلَى أَنَّهُ مُتَعَدٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ حَمَلُوا غَيْرَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَصَدُّوهُ عَنِ الْحَقِّ، وَهَذَا أَرْجَحُ مِمَّا قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَشَاقُّوا الرَّسُولَ أَيْ خَالَفُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَالَفَةً شَدِيدَةً.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا غَيْرَهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَخَالَفُوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ بِكُفْرِهِمْ شَيْئًا، لِأَنَّهُ غَنِيٌّ لِذَاتِهِ الْغِنَى الْمُطْلَقَ.
وَالثَّانِي أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَضُرُّونَ بِذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْكُفْرَ سَبَبٌ لِإِحْبَاطِ أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}.
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ اللَّذَانِ تَضَمَّنَتْهُمَا هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَا مُوَضَّحَيْنِ فِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
فَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ غِنَى اللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ، وَعَدَمُ تَضَرُّرِهِ بِمَعْصِيَتِهِمْ- قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [3/ 97].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} [39/ 7].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [14/ 8].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [10/ 68].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [64/ 6].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [35/ 15]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ إِحْبَاطُ أَعْمَالِهِمْ بِالْكُفْرِ أَيْ إِبْطَالُهَا بِهِ- قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [25/ 23].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [14/ 18].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [24/ 39].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [11/ 16]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}.
قَدْ قَدَّمْنَا كَثِيرًا جِدًّا مِنَ الْآيَاتِ الْمُمَاثِلَةِ لَهُ قَرِيبًا فِي جُمْلَةِ كَلَامِنَا الطَّوِيلِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} الْآيَةَ [4/ 82]، [47/ 24].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}.
مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، لِأَنَّ النَّارَ وَجَبَتْ لَهُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ- جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [3/ 91].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [2/ 161- 162].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [4/ 18].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [2/ 217].

.تفسير الآية رقم (35):

{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}.
قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ حَمْزَةَ وَشُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ إِلَى السَّلْمِ بِفَتْحِ السِّينِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَشُعْبَةُ: {إِلَى السِّلْمِ} بِكَسْرِ السِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَهِنُوا} أَيْ لَا تَضْعُفُوا وَتَذِلُّوا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [3/ 146].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [8/ 18]، أَيْ مُضَعِّفٌ كَيْدَهُمْ، وَقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:
وَأَخْلَفَتْكَ ابْنَةُ الْبَكْرِيِّ مَا وَعَدَتْ ** فَأَصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْهَا وَاهِنًا خَلِقَا

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، أَيْ: فَلَا تَضْعُفُوا عَنْ قِتَالِ الْكَفَّارِ وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أَيْ تَبْدَءُوا بِطَلَبِ السَّلْمِ أَيِ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، أَيِ الْأَقْهَرُونَ وَالْأَغْلَبُونَ لِأَعْدَائِكُمْ، وَلِأَنَّكُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ النَّصْرِ وَالثَّوَابِ مَا لَا يَرْجُونَ.
وَهَذَا التَّفْسِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ هُوَ الصَّوَابُ.
وَتَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ وَاللَّهُ مَعَكُمْ لِأَنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ هُوَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْغَالِبُ وَهُوَ الْقَاهِرُ الْمَنْصُورُ الْمَوْعُودُ بِالثَّوَابِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ لَا يَضْعُفَ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْكَفَّارِ وَلَا يَبْدَؤُهُمْ بِطَلَبِ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [37/ 173]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [40/ 51]، وَقَوْلِهِ: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [30/ 47]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [9/ 14].
وَمِمَّا يُوَضِّحُ مَعْنَى آيَةِ الْقِتَالِ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [4/ 104]؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} مِنَ النَّصْرِ الَّذِي وَعَدَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَالْغَلَبَةِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ.
وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ هُنَا: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ مَعَكُمْ أَيْ بِالنَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ وَالثَّوَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ آيَةَ الْقِتَالِ هَذِهِ لَا تَعَارُضَ بَيْنِهَا وَبَيْنَ آيَةِ الْأَنْفَالِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّ إِحْدَاهُمَا نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى، بَلْ هُمَا مُحْكَمَتَانِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنَزَّلَةٌ عَلَى حَالٍ غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.
فَالنَّهْيُ فِي آيَةِ الْقِتَالِ هَذِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} إِنَّمَا هُوَ عَنِ الِابْتِدَاءِ بِطَلَبِ السَّلْمِ.
وَالْأَمْرُ بِالْجُنُوحِ إِلَى السَّلْمِ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ مَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا ابْتَدَأَ الْكَفَّارُ بِطَلَبِ السَّلْمِ وَالْجُنُوحِ لَهَا، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} الْآيَةَ [8/ 61].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَاللَّهُ مَعَكُمْ قَدْ قَدَّمَنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [16/ 128]، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَوْلَى وَأَصْوَبُ مِمَّا فَسَّرَهَا بِهِ ابْنُ كَثِيرَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَدْعُوا إِلَى الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أَيْ فِي حَالِ قُوَّتِكُمْ وَقُدْرَتِكُمْ عَلَى الْجِهَادِ، أَيْ: وَإِمَّا إِنْ كُنْتُمْ فِي ضَعْفٍ وَعَدَمِ قُوَّةٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ أَيِ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ:
السَّلْمُ تَأْخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهِ ** وَالْحَرْبُ تَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ

وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ أَيْ لَنْ يُنْقِصَكُمْ شَيْئًا مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ عَدَمِ نَقْصِهِ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} [49/ 14]، أَيْ لَا يُنْقِصُكُمْ مِنْ ثَوَابِهَا شَيْئًا.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [21/ 47].
وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا مِرَارًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَصْلُهُ مِنَ الْوَتْرِ، وَهُوَ الْفَرْدُ.
فَأَصْلُ قَوْلِهِ: {لَنْ يَتِرَكُمْ} لَنْ يُفْرِدَكُمْ وَيُجَرِّدَكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ بَلْ يُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ}.
هَذِهِ الْأُجُورُ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ بِهَا مَنْ آمَنَ وَاتَّقَى جَاءَتْ مُبَيَّنَةً فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [57/ 28] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}. فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَوْجُهٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنْهَا أَنَّ الْمَعْنَى: وَلَا يَسْأَلْكُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْوَالَكُمْ أَجْرًا عَلَى مَا بَلَّغَكُمْ مِنَ الْوَحْيِ الْمُتَضَمِّنِ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ تَشْهَدُ لَهُ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [34/ 47].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [38/ 86].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} [52/ 40].
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لِهَذَا فِي سُورَةِ هُودٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [11/ 29]، وَذَكَرْنَا بَعْضَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الشُّورَى فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [42/ 23].